
يعد الهيكل التمويلي او المصادر التمويلية حجر الاساس في بناء استقرار اي شركة او مؤسسة، فهو يحدد كيفية الحصول على الاموال اللازمة لتمويل الانشطة المختلفة سواء كانت استثمارات طويلة الاجل او مصاريف تشغيلية يومية ويتكون هذا الهيكل من مزيج بين التمويل الداخلي مثل الارباح المحتجزة ورأس المال الخاص، والتمويل الخارجي مثل القروض المصرفية او السندات واختيار التوازن المناسب بين هذه المصادر يؤثر بشكل مباشر على قدرة الشركة على التوسع والاستمرار في السوق، ويمنحها المرونة لمواجهة التحديات الاقتصادية.
كما ان الهيكل التمويلي او المصادر التمويلية يلعب دورا مهما في نظام المحاسبة، اذ يتم تسجيل كافة التدفقات المالية سواء كانت قادمة من مستثمرين او مقرضين بطريقة منظمة تعكس صورة واضحة عن الوضع المالي وهذا التنظيم يساعد المحاسبين والادارة على اتخاذ قرارات دقيقة مبنية على بيانات موثوقة، مثل تحديد حجم المديونية المثالي او مقدار الاعتماد على رأس المال الخاص. وبذلك يصبح النظام المحاسبي اداة اساسية لتقييم كفاءة الهيكل التمويلي.
ومن ناحية اخرى، يساعد فهم الهيكل التمويلي او المصادر التمويلية اصحاب الاعمال على التخطيط بشكل افضل لمشاريعهم المستقبلية، حيث يمكنهم تقدير احتياجات التمويل بدقة وربطها باستراتيجيات النمو كما ان المستثمرين ينظرون اليه كمعيار لقياس مدى قدرة الشركة على تحقيق عوائد مستقرة، مما يجعل اختيار مصادر التمويل قرارا استراتيجيا له اثر مباشر على سمعة الشركة وثقة السوق فيها.
لذلك تسعى المؤسسات الاقتصادية إلى استخدام المصادر المالية المتاحة أمامها بأقل التكاليف لتحقيق أعلى العوائد، هذا ما يدرج تحت اسم تشكيل الهيكل التمويلي الأمثل الذي يسمح للمؤسسة بالاستمرار والتوسع في ظل ديناميكية محيطها داخليا وخارجيا، الأمر الذي يفضي إلى ضرورة الاطلاع على مختلف المداخل المتعارضة فيما بينها حول فكرة وجود هيكل تمويلي أمثل.

إن تحديد الهيكل التمويلي او المصادر التمويلية المتاحة للشركات يقتضي العودة الى قائمة المركز المالي للشركة، ولاسيما الجانب الأيسر منها:
قائمة المركز المالي لشركة*****بتاريخ *****
| الأصول | الالتزامات وحقوق الملكية |
| أصول متداولة
أصول ثابتة
|
التزامات متداولة
التزامات طويلة الأجل حقوق الملكية |
| *** | *** |
إن الهيكل التمويلي للشركة يمثل الجانب الايسر ويتضمن:
- الالتزامات المتداولة: وهي تعبر عن الالتزامات قصيرة الأجل المترتبة على الشركة لصالح الغير، كالقروض قصيرة الاجل، الدائنون، أوراق الدفع، المستحقات، وغيرها من الالتزامات قصيرة الأجل التي غالبا لا تتجاوز مدة استحقاقها السنة
- الالتزامات طويلة الأجل: وهي تعبر عن الالتزامات طويلة الأجل المترتبة على الشركة لصالح الغير، كالقروض المصرفية طويلة الأجل وغيرها من الالتزامات طويلة الأجل. ويمكن القول إن الالتزامات قصيرة وطويلة الأجل تمثل الديون المترتبة على الشركة لصالح الغير.
- حقوق الملكية: تشمل رأس مال الشركة الذي يعبر عن مساهمة ملاك الشركة في تمويل استثماراتها ويكون مقسم الى أسهم تمثل حصص المساهمين (الملاك) بالإضافة الى الاحتياطيات والارباح المحتجزة.
اقرأ ايضا: الدخل الشامل، التعريف، القائمة والهدف
لكي تتمكن المؤسسات من ممارسة نشاطها سواء عند الإنشاء أو التوسع، يجب على الإدارة المالية بشكل خاص أن تتولى مهمة توفير الأموال اللازمة وذلك من خلال تحديد الخليط المناسب من مصادر التمويل المتاحة بالشكل الذي يحقق أكبر فائدة وأقل تكلفة تمويل حيث يمكن تصنيف هذه المصادر حسب معيار الملكية كالآتي:
1- التمويل الممتلك:
لتأسيس أي مؤسسة لابد على الإدارة المالية أن تعتمد على المدفوعات النقدية التي يقدمها المالكون لشراء الأصول المطلوبة كاقتناء التجهيزات والآلات الضرورية لبدء نشاط هذه المؤسسة، ويمكن أن تزداد حقوق الملكية عن طريق احتجاز الأرباح لإعادة استثمارها في عمليات المؤسسة أو استقطاب مساهمين جدد بهدف التوسع، إذ تندرج أشكال التمويل هذه تحت ما يسمى رأس المال الممتلك الذي يعبر عن مجموع الأموال التي تمتلكها المؤسسة والذي يتألف من الأموال التي جهزها المالك أي الأسهم بنوعيها، والفائض المتحقق خلال نشاط المؤسسة أي التمويل الذاتي.
• التمويل الذاتي: يسمى أيضا التمويل الداخلي والمعنى المقصود من مصطلح التمويل الذاتي هو اعتماد المؤسسة على الأموال التي تتولد نتيجة العمليات الجارية على مستواها دون اللجوء إلى مصادر خارجية، حيث يمكن حسابه وفق العلاقتين:
إجمالي التمويل الذاتي= النتيجة الصافية+ الاهتلاكات + مؤونات الأعباء والخسائر. صافي التمويل الذاتي= النتيجة الغير الموزعة (الأرباح المحتجزة) + الاهتلاكات + مؤونات الأعباء والخسائر.
. حيث أن: النتيجة الغير الموزعة (الارباح المحتجزة) = النتيجة الصافية – التوزيعات.
• التمويل بالأسهم: وهو تمويل خارجي تعتمده المؤسسات لزيادة رأس مالها إذ تلجأ إلى طرح الأسهم وهي عبارة عن حصص متساوية من رأس مالها لصالح المكتتبين ويؤكد ذلك على وثيقة تسمى السهم تحمل قيمته الاسمية، مقابل الحصول على عوائد في آخر الدورة إن وزعت، كما يكون لهم الحق في الحصول على جزء من رأس المال المتبقي في حال التصفية، ويمكن تقسيم الأسهم إلى نوعين أساسيين هما الأسهم العادية والممتاز.
2- التمويل المقترض:
يعتبر التمويل بالاقتراض من المصادر الأساسية في المؤسسات إذ يشكل أحد بدائل الاستثمار لدى العديد من المستثمرين، ويكون اللجوء إليه عادة عند عدم كفاية الأموال الممتلكة لتلبية احتياجات المؤسسة أو تجنبا لتكاليفها، فتكون مجبرة على اللجوء إلى الاقتراض من جهات خارجية، قصد ضمان التمويل الدائم لاستثماراتها، وبالتالي تحقيق أهداف المؤسسة على المدى الطويل وهذا ما يعرف بالاقتراض طويل الأجل ومن أهم الأشكال المنظمة له: السندات، القروض طويلة الأجل، والتمويل بالاستئجار.
هل الهيكل التمويلي 60% ديون و40% حقوق ملكية هو الهيكل التمويلي المناسب للشركة؟ أم أن الهيكل التمويلي المناسب هو 40% ديون و60% حقوق ملكية
إن تحديد الهيكل التمويلي المناسب يتطلب دراسة أثر الهيكل التمويلي على كل من العائد (تكلفة التمويل) وقدرة الشركة على السداد (المخاطر).
تكلفة التمويل هي تكلفة حصول الشركة على الأموال اللازمة لها وتتمثل بفوائد الديون عند التمويل بأموال الغير وبالأرباح الموزعة على المساهمين في حال التمويل من حقوق الملكية.
وتعد تكلفة التمويل من خلال الديون أقل من تكلفة التمويل من خلال حقوق الملكية، وذلك باعتبار أن المخاطر التي يتعرض لها الدائنون أقل من تكلفة التمويل من خلال حقوق الملكية وذلك باعتبار أن المخاطر التي يتعرض لها الدائنون أقل من المخاطر التي يتعرض لها المساهمون الأمر الذي يتضح من خلال المقارنة في الجدول التالي:
| التمويل بالديون | التمويل بحقوق الملكية |
| - فائدة ثابتة ومحددة من حيث القيمة والتوقيت | - حصول المساهم على حصته من الأرباح مرهون بقرار توزيع الأرباح على المساهمين |
| - تدفع بانتظام | - توزيع الأرباح تبعا لسياسة الشركة |
| - أولوية حصول الدائنين على حقوقهم عند التصفية | - حقوق المساهمين قد تضيع عند تصفية الشركة |
وبالتالي فأن وجود الديون في هيكل التمويل قد يخفض من تكلفة التمويل الأمر الذي يوضحه المثال التالي:
مثال:
لنفترض لدينا شركة تعتمد بالكامل في تمويل استثماراتها على حقوق الملكية وأن معدل العائد على حقوق الملكية (تكلفة التمويل) يساوي 25% ولنفترض أن امام الشركة فرصة تمويل 50% من احتياجاتها المالية من خلال الديون وبمعدل فائدة 14% وبفرض أن الشركة استفادت من هذه الفرصة التمويلية فكم ستصبح تكلفة التمويل لهذه الشركة؟
تكلفة التمويل بالكامل من حقوق الملكية = 25%
تكلفة التمويل بعد اعتماد الشركة على الديون في تمويل استثماراتها = 25% * 50% + 14% * 50% = 19.5 %
وبالتالي اعتماد الشركة على الديون في تمويل جزء من احتياجاتها المالية أدى الى تخفيض تكلفة التمويل بمقدار 5.5 %
كما يمكن أن تكون التمويل الفعلية للتمويل أٌقل من ذلك إذا أخذنا بالحسبان الوفر الضريبي الذي يمكن أن تحققه الشركة كون الفوائد تدفع قبل الضريبة مما يؤدي إلى تقليل المطرح الضريبي الخاضع للضريبة.

إن تحديد الهيكل التمويلي الملائم للشركة يتطلب الموازنة بين العائد والمخاطر لمختلف المصادر التمويلية المتاحة بالإضافة الى التوفيق بين العوامل المؤثرة على تركيبة الهيكل التمويلي سابقة الذكر.
1- الحالة الاقتصادية العامة: عندما تتنبأ الشركة بنمو سريع في النشاط التجاري فإنها تركز على عامل المرونة عند تحديد هيكلها التمويلي، كما أن التنبؤ بتغيرات أسعار الفائدة يجعلها تهتم بالعائد فحين تتنبأ بارتفاع أسعار الفائدة تزيد من المتاجرة بالملكية، وحين تتنبأ بانخفاض أسعار الفائدة تقلل من اعتمادها على القروض حاليا مع الاهتمام بعامل المرونة من أجل الاستفادة من انخفاض أسعار الفائدة عند حدوثه.
2- الصناعة التي تنتمي اليها الشركة: عندما تخضع الصناعة التي تنتمي إليها الشركة الى تقلبات موسمية في مبيعاتها فإن الشركة تركز على عاملي المرونة وملاءمة مصادر الأموال لاستخداماتها. كما أن ارتفاع مرونة الطلب على بعض المنتجات يجعل الشركة تهتم بعاملي المرونة والخطر حتى تتمكن من التوسع والانكماش في نشاطها بسرعة وسهولة، من ناحية أخرى إن درجة المنافسة السائدة في الصناعة تؤثر على الهيكل التمويلي حيث ان زيادة درجة المنافسة وصعوبة التنبؤ بالأرباح الناتجة يجعل الشركة تعتمد على حقوق الملكية أكثر من الديون الخارجية.
3- خصائص الشركة: إن الملاك في الشركات المساهمة أكثر ميلا لاتخاذ المخاطر والتوسع في الاقتراض من ملاك المشروعات الفردية والشركاء المتضامنين في شركات الأشخاص باعتبار أن هؤلاء مسؤوليتهم غير محدودة، والمقرضين يميلون الى إعطاء قروض طويلة الأجل للشركات المساهمة أكثر من المشاريع الفردية، بالإضافة الى أن حجم الشركة يؤثر في تركيبة هيكلها التمويلي فالمشروعات الصغيرة والمتوسطة تعتمد بنسبة أكبر على أموال ملاكها بينما في الشركات الكبيرة تعتمد على مصادر تمويلية متنوعة باعتبار احتياجاتها أكبر.
اقرأ ايضا: أثر التحول الرقمي على مهنة المحاسبة وانعكاسه على جودة القوائم المالية
إن الهيكل التمويلي والقرارات المالية تعتبر من أهم الجوانب التي تساهم في رسم السياسة المالية التي تسعى من خلالها المؤسسة الاقتصادية إلى تحقيق أسمى أهدافها المتمثلة في تعظيم القيمة الذي يعتمد على تعظيم العائد، مقابل تخفيض التكاليف والمخاطر، إذ يعتبر الهيكل التمويلي المحرك الأساسي للمؤسسة وهو الذي يمكنها من الحصول على الأموال لمباشرة نشاطها أو توسيعه، أما القرارات المالية فلها دور هام في استمرارية حياة المؤسسة، الأمر الذي يستلزم أن تكون سليمة وتتسم بالملاءمة الزمنية ليكون لها أثر إيجابي على قيمة المؤسسة، وإن أي تغيير في الهيكل التمويلي من شأنه أن ينعكس على القرارات المالية لما له من تأثير كبير عليها.